مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

شرط الـ  5000  متابع.. ثغرة تشريعية في مواجهة جرائم السوشيال ميديا


تعديل المادة (19) من قانون " الأعلى للإعلام" ..ضرورة لمواجهة فوضى الأنترنت 
 

الشرط  يحد من  سلطات  " الأعلى للإعلام " فى التصدي للجرائم الرقمية


محو المحتوى المخالف للقانون وحجب الحسابات إداريا يحقق  الردع السريع مع الاحتفاظ بحق الشكوى جنائيا

                                                                                                                                             .
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لتبادل الآراء أو التواصل بين الأفراد، بل تحولت إلى فضاء إعلامي مفتوح يمارس فيه ملايين المستخدمين أدوارًا تتجاوز النشر التقليدي إلى صناعة المحتوى، والبث المباشر، والتأثير في الرأي العام، في ظل تطور غير مسبوق لخوارزميات المنصات وتقنيات الذكاء الاصطناعي. وأصبح بإمكان منشور واحد أو بث مباشر من حساب محدود المتابعين أن يصل خلال دقائق إلى مئات الآلاف، بل ملايين المستخدمين، عبر إعادة النشر والتفاعل والترشيح الآلي للمحتوى
وفي المقابل، شهد هذا الفضاء تصاعدًا ملحوظًا في صور إساءة الاستخدام، بدءًا من نشر الشائعات والأخبار الكاذبة، مرورًا بخطاب الكراهية والتحريض على العنف، أو انتهاك حرمة الحياة الخاصة بتصوير الأشخاص أو منازلهم أو مواقفهم الشخصية دون رضاهم، أو تقديم محتوى يخدش الحياء العام، أو يتعارض مع المبادىء والقيم  الأسرية، أو يتضمن ألفاظًا وعبارات  غير لائقة أو سلوكيات غير مشروعة، فضلًا عن استغلال الأطفال أو الفئات الأكثر ضعفًا في محتوى يهدف فقط إلى زيادة نسب المشاهدة وتحقيق العائد المالي، وانتهاءً بالبث المباشر الذي أصبح أحد أكثر أدوات النشر تأثيرًا وخطورة. فقد تحولت بعض الحسابات على السوشيال ميديا إلى سباق محموم نحو زيادة المشاهدات وتحقيق الأرباح، ولو كان ذلك على حساب القانون أو القيم المجتمعية. ولم يعد الهدف في بعض الحالات تقديم محتوى هادف، وإنما البحث عن كل ما هو مثير للجدل أو صادم لجذب التفاعل والمشاركات، حتى لو تضمن نقل شائعات لم يتم التحقق منها، أو بث وقائع تمس الأمن المجتمعي، أو استغلال الحوادث والأزمات لتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة.
وقد تصدى المشرع المصري لهذه الجرائم من خلال منظومة تشريعية متكاملة، تضم قانون العقوبات، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، إلى جانب قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020. وقد استهدفت هذه التشريعات توفير الحماية القانونية للمجتمع في مواجهة إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتحقيق التوازن بين كفالة حرية الرأي والتعبير وصون النظام العام وحقوق الأفراد. إلا أن التطبيق العملي كشف عن وجود بعض النصوص التي أصبحت بحاجة إلى مراجعة تشريعية لمواكبة التطور المتسارع في البيئة الرقمية، وفي مقدمتها المادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام  والتي اشترطت  بلوغ الصفحة أو الحساب خمسة آلاف متابع  لانعقاد اختصاص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
إشكالية شرط الخمسة آلاف متابع
وهنا يثور تساؤل مشروع: ما الحكمة التشريعية  من هذا الشرط ؟
وهل ما زال هذا المعيار صالحًا في ظل التطور الهائل الذي شهدته وسائل التواصل الاجتماعي؟
 فالواقع العملي كشف أن الصفحات والحسابات التي يقل عدد متابعيها عن هذا الحد قد تنشر محتوى يشكل جرائم أو مخالفات إعلامية لا تقل خطورة عن المحتوى المنشور عبر الصفحات ذات الأعداد الكبيرة من المتابعين ، ومع ذلك تظل خارج نطاق التدخل الإداري للمجلس وفقًا لنص المادة (19). والأهم من ذلك ليس هناك مبرر واضح لاختيار  حد  الخمسة آلاف متابع، وهو ما يفتح الباب لإعادة تقييم هذا القيد العددي في ضوء التحولات التي شهدتها البيئة الرقمية وآليات انتشار المحتوى , كما أن القانون الجنائي لا يعرف هذا المعيار؛ ففي جرائم القذف والسب العلني، ونشر الأخبار الكاذبة، والاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، لا يشترط المشرع عددًا معينًا ممن اطلعوا على المحتوى، وإنما يكفي توافر ركن العلانية وفقًا للمادة (171) من قانون العقوبات.فالعلانية تتحقق بمجرد إتاحة المحتوى للجمهور، ولا يشترط أن يطلع عليه آلاف الأشخاص، إذ قد يتحقق الضرر بمجرد وصوله إلى شخص واحد، طالما كان منشورًا على نحو يسمح للكافة بالاطلاع عليه
الفرق بين الجزاء الإدارى والدعوى الجنائية
وتتضح أهمية هذه الإشكالية إذا ما قورن دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالإجراءات الجنائية التقليدية؛ فالمجلس يملك، في الحدود التي رسمها القانون، سلطة التدخل السريع عند رصد المخالفة أو تلقي شكوى بشأنها، واتخاذ التدابير والجزاءات الإدارية المقررة، بما يسهم في الحد من انتشار المحتوى المخالف وتحقيق الردع العام ،فقد منح القاون للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مباشرة اختصاصاته بالنسبة للمواقع والمدونات والحسابات والصفحات الإلكترونية الشخصية التي يبلغ عدد متابعيها خمسة آلاف متابع فأكثر، متى تضمنت مخالفات من قبيل نشر الأخبار الكاذبة، أو التحريض على مخالفة القانون، أو العنف، أو الكراهية، أو التمييز، أو الطعن في أعراض الأفراد، أو ازدراء الأديان، كما أوجب عليه اتخاذ الإجراء المناسب حيال المخالفة، وخوله في سبيل ذلك سلطة وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب بقرار منه.
أما إذا خرجت الصفحة أو الحساب من نطاق اختصاص المجلس بسبب عدم بلوغ حد الخمسة آلاف متابع، فلا يبقى سوى اللجوء إلى المسار الجنائي من خلال البلاغات والتحقيقات والفحص الفني ثم الإحالة إلى المحاكمة، وهي إجراءات قد تستغرق مدة زمنية  يكون خلالها المحتوى غير المشروع قد انتشر على نطاق واسع وحقق آثاره. ومن ثم، فإن إعادة النظر في هذا القيد العددي لم تعد مجرد مسألة تشريعية، وإنما أصبحت ضرورة عملية تفرضها طبيعة البيئة الرقمية الحديثة , فتعليق اختصاص المجلس على هذا الشرط العددي يقيد قدرته على التدخل السريع لمواجهة فوضى السوشيال ميديا التي قد تثيرها حسابات يقل عدد متابعيها عن الحد المنصوص عليه قانونًا،  خاصة مع تطور خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، التي لم يعد انتشار المحتوى فيها مرتبطًا بعدد المتابعين، وإنما بدرجة التفاعل معه. فقد يصدر منشور أو مقطع فيديو من حساب لا يتجاوز عدد متابعيه عشرات الأشخاص، ثم يتحول خلال ساعات من خلال إعادة النشر و  المشاركات  إلى محتوى واسع الانتشار يشاهده مئات الآلاف أو الملايين، ،وقد يشجع هذا القيد العددي  عمليا بعض مروجي الشائعات وصانعي المحتوى غير المشروع على إنشاء عدد كبير من الحسابات الصغيرة أو الوهمية، وتوزيع المحتوى المسيء من خلالها، إدراكًا منهم أن هذه الحسابات تظل خارج نطاق اختصاص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، رغم أن أثرها المجمع قد يفوق أثر صفحة واحدة كبيرة.ومن ثم لم يعد  معيار عدد المتابعين صالحا أساسا لإنعقاد إختصاص المجلس الأعلى لتنظيم الاعلام ، بعد أن أصبحت العبرة في البيئة الرقمية الحديثة  بعلانية النشر ومدى إتاحة المحتوى للجمهور وقابليته للانتشار، لا بعدد متابعي الحساب الذي نشره.
التشريعات المقارنه لا تعترف بعدد المتابعين
ولا يقف هذا الطرح عند حدود الفقه القانوني، وإنما يجد سنده في عدد من التشريعات العربية والأجنبية  المقارنة التي لم تجعل عدد المتابعين معيارًا للخضوع للرقابة أو التنظيم، وإنما اتجهت إلى الاعتداد بطبيعة النشاط الإعلامي أو بإتاحة المحتوى للجمهور.
ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، لم يربط المرسوم بقانون اتحادي رقم (55) لسنة 2023 في شأن تنظيم الإعلام خضوع المحتوى المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعدد معين من المتابعين، وإنما جعل مناط التنظيم ممارسة النشاط الإعلامي وإتاحة المحتوى للجمهور، كما أخضعت المادة (12) جميع أنشطة الإعلام الإلكتروني والرقمي لمعايير المحتوى الإعلامي، وحملت القائم بالنشاط مسئولية ما ينشره، دون أي تمييز يقوم على عدد المتابعين.
وفي دولة الكويت، لم يربط القانون رقم (8) لسنة 2016 بشأن تنظيم الإعلام الإلكتروني تطبيق أحكامه بعدد معين من المتابعين، وإنما قصره على وسائل الإعلام الإلكترونية المهنية . ولا تسرى أحكام القانون على  الحسابات الشخصية التي لا يتصف مستخدمها  بالتخصصية المهنية ، بينما استقرت محكمة التمييز الكويتية على أن الحساب متى باشر نشاطًا إعلاميًا مهنيًا خضع لأحكام القانون، ولو وصفه صاحبه بأنه حساب شخصي، وهو ما يجعل العبرة بطبيعة النشاط لا بعدد المتابعين .
أما في المملكة العربية السعودية، فلم يربط نظام تنظيم الإعلام أو لائحته التنفيذية خضوع المحتوى المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعدد معين من المتابعين، وإنما أخضع المحتوى الإعلامي، سواء كان مهنيًا أو غير مهني، للضوابط والمعايير النظامية متى كان موجهًا إلى الجمهور، بما يؤكد أن مناط التنظيم هو طبيعة المحتوى وإتاحته للجمهور، لا حجم الجمهور أو عدد المتابعين.
وعلى الصعيد الأوروبي، يقوم القانون الفرنسي، ممثلًا في قانون الثقة في الاقتصاد الرقمي (LCEN)، على مبدأ حرية الاتصال بالجمهور عبر الوسائل الإلكترونية، مع إخضاع المحتوى المنشور للقيود التي تقتضيها حماية النظام العام وحقوق الآخرين، دون أن يربط تطبيق القانون أو المسؤولية القانونية بعدد معين من المتابعين، وإنما بتوجيه المحتوى إلى الجمهور.
وتكشف هذه النماذج التشريعية أن الاتجاه الغالب في التشريعات المقارنة يقوم على معيار علانية النشر أو طبيعة النشاط الإعلامي أو توجيه المحتوى إلى الجمهور، باعتبارها معايير للخضوع للرقابة والمسئولية القانونية، دون الاعتداد بأي حد عددي للمتابعين، وهو ما يعزز الدعوة إلى إعادة النظر في المادة (19) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام بما يتفق مع متطلبات البيئة الرقمية الحديثة
انطلاقًا مما سبق ، نقترح على المشرع  بإعادة صياغة المادة (19) بما يزيل القيد العددي المتمثل في اشتراط بلوغ الحساب أو الصفحة خمسة آلاف متابع، مع الإبقاء على اختصاص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مقصورًا على المحتوى المنشور علنًا والمتاح للجمهور. فالتعديل المقترح لا يستحدث اختصاصًا جديدًا للمجلس، وإنما يعيد تنظيم الاختصاص القائم بما يتفق مع فلسفة القانون الجنائي وطبيعة البيئة الرقمية الحديثة.
ويمكن أن تكون الصياغة المقترحة على النحو الآتي:
"ويلتزم بأحكام الفقرة السابقة كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة إلكترونية شخصية أو حساب إلكتروني شخصي  في حالة النشر والعلانية " بدلا من "بلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر
فمن شأن  إزالة شرط الخمسة آلاف متابع، بسط اختصاص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على جميع الصفحات والحسابات التي يتوافر فيها النشر والعلانية،  وذلك يحقق اتساقًا تشريعيًا بين قانون تنظيم الصحافة والإعلام وقواعد المسئولية الجنائية، ويواكب التطور التقني، ويوفر حماية أكثر فاعلية للمجتمع من إساءة استخدام المنصات الرقمية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الضمانات الدستورية لحرية الرأي والتعبير.، ويجعل معيار التدخل القانوني هو علانية النشر وخطورة المحتوى، لا مجرد عدد المتابعين، حتى تظل التشريعات قادرة على مواكبة التطور التقني وحماية المجتمع من صور الإساءة المستحدثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي